سيد قطب
2247
في ظلال القرآن
« وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ » . . والتهجد الصلاة بعد نومة أول الليل . والضمير في « بِهِ » عائد على القرآن ، لأنه روح الصلاة وقوامها . « عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً » . . بهذه الصلاة وبهذا القرآن والتهجد به ، وبهذه الصلة الدائمة باللّه . فهذا هو الطريق المؤدي إلى المقام المحمود وإذا كان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يؤمر بالصلاة والتهجد والقرآن ليبعثه ربه المقام المحمود المأذون له به « 1 » ، وهو المصطفى المختار ، فما أحوج الآخرين إلى هذه الوسائل لينالوا المقام المأذون لهم به في درجاتهم . فهذا هو الطريق . وهذا هو زاد الطريق . « وَقُلْ : رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ . وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً » . وهو دعاء يعلمه اللّه لنبيه ليدعوه به . ولتتعلم أمته كيف تدعو اللّه وفيم تتجه إليه . دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج ، كناية عن صدق الرحلة كلها . بدئها وختامها . أولها وآخرها وما بين الأول والآخر . وللصدق هنا قيمته بمناسبة ما حاوله المشركون من فتنته عما أنزل اللّه عليه ليفتري على اللّه غيره . وللصدق كذلك ظلاله : ظلال الثبات والاطمئنان والنظافة والإخلاص . « وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً » قوة وهيبة أستعلي بهما على سلطان الأرض وقوة المشركين وكلمة « مِنْ لَدُنْكَ » تصور القرب والاتصال باللّه والاستمداد من عونه مباشرة واللجوء إلى حماه . وصاحب الدعوة لا يمكن أن يستمد السلطان إلا من اللّه . ولا يمكن أن يهاب إلا بسلطان اللّه . لا يمكن أن يستظل بحاكم أو ذي جاه فينصره ويمنعه ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى اللّه . والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه ، فيصبحون لها جندا وخدما فيفلحون ، ولكنها هي لا تفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه ، فهي من أمر اللّه ، وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه . « وَقُلْ : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً » . . بهذا السلطان المستمد من اللّه ، أعلن مجيء الحق بقوته وصدقه وثباته ، وزهوق الباطل واندحاره وجلاءه . فمن طبيعة الصدق أن يحيا ويثبت ، ومن طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق . . « إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً » . . حقيقة لدنية يقررها بصيغة التوكيد . وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة . فالباطل ينتفخ ويتنفج وينفش ، لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة ؛ ومن ثم يحاول أن يموه على العين ، وأن يبدو عظيما كبيرا ضخما راسخا ، ولكنه هش سريع العطب ، كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عاليا ثم تخبو سريعا وتستحيل إلى رماد ؛ بينما الجمرة الذاكية تدفئ وتنفع وتبقى ؛ وكالزبد يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء . « إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً » . . لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته ، إنما يستمد حياته الموقوتة من عوامل خارجية وأسناد غير طبيعية ؛ فإذا تخلخلت تلك العوامل ، ووهت هذه الأسناد تهاوى وانهار . فأما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده . وقد تقف ضده الأهواء وتقف ضده الظروف ويقف ضده السلطان . . ولكن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى ويكفل له البقاء ، لأنه من عند اللّه الذي جعل « الْحَقُّ » من أسمائه وهو الحي الباقي الذي لا يزول . « إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً » . . ومن ورائه الشيطان ، ومن ورائه السلطان . ولكن وعد اللّه أصدق ، وسلطان
--> ( 1 ) في روايات أنه مقام الشفاعة يوم القيامة .